قال البشير بن بركة، نجل الزعيم اليساري المغربي المهدي بن بركة، إن عائلته لا تملك أية معطيات حول تقدم أعمال المجلس الاستشاري المغربي لحقوق الإنسان رغم توالي تصريحات المسؤولين المغاربة عن حصول تقدم مهم في الملف وقرب الوصول في المغرب إلى عدة أشياء، مضيفا أن الرأي العام عاش خلال العامين الأخيرين ما يشبه الفواصل الإعلانية المتعاقبة التي تعلن عن قرب الكشف عن أشياء جديدة بيد أن النتائج كانت مخيبة للآمال.
وأوضح بن بركة، في حديث مع «الشرق الأوسط» في الرباط خلال زيارة له إلى المغرب الأسبوع الماضي أن هيئة الإنصاف والمصالحة قامت بتعليب ملف والده في صفحة يتيمة بطريقة لا تليق بمستوى القضية أو الشخصيات التي تشكلت منها الهيئة والتي لها اطلاع عليها، كما أنها قدمت تفسيرات وتصريحات لا ترقى إلى مستواها، مضيفا أن القاضي الفرنسي باتريك رمائييل قام ببعض التصرفات غير السليمة عندما أخفى هويته، لكن ذلك لم يقع بدافع رغبة في الاختفاء أو عدم احترام استقلالية القضاء، بل هو سلوك غير قويم سجلته عائلته في حينه وأبلغته به، مشيراً إلى أن هذا الحادث يبقى أمرا جانبيا.
وأبرز بن بركة أن عائلته ستطلب من رئيس أو رئيسة فرنسا المقبل القيام بكل ما في وسعه قضائيا وقانونيا وسياسيا من أجل مساعدتها على الوصول إلى الحقيقة كاملة على المستوى الفرنسي، وهو الشيء نفسه الذي ستقوم به عائلته على المستوى المغربي، مشيراً إلى أن إمكانية الاستماع إلى مسؤولين مغاربة كبار متوفرة الآن في المغرب.
وأكد بن بركة أن عودة عائلته إلى المغرب عام 1999 جاءت في إطار قرار اختياري اتخذته العائلة التي كان وجودها في الخارج اضطرارياً بعد اختطاف واغتيال والده. ولم يتخذ قرار العودة إلا بعد التصريحات الأولى للعاهل المغربي الملك محمد السادس بخصوص التغييرات الديمقراطية في البلاد، مبرزا أن عائلة بن بركة لم تضع قرار العودة في أي إطار سياسي، بل اعتبرته مجرد إحياء الاتصال المباشر مع المغرب. وفيما يلي نص الحديث:
> أعلن ادريس بن زكري، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أخيرا في مؤتمر صحافي، أنه سيتم الكشف عن معطيات جديدة بخصوص اختطاف واغتيال الزعيم اليساري المغربي المهدي بن بركة، هل تملك أية معطيات جديدة بهذا الشأن؟
ـ ما زلنا نحن، عائلة المهدي بن بركة، لا نملك أية معطيات عن تقدم أعمال المجلس الاستشاري المغربي لحقوق الإنسان، رغم توالي التصريحات، بينها التصريح الأخير لوزير العدل المغربي محمد بوزوبع الذي قال فيه إنه حصل تقدم مهم في الملف، وأن المغرب على وشك الوصول إلى عدة أشياء. لكن رغم كوننا معنيين بهذا الأمر، فإننا لا نملك أية معلومات عن مضمون التحريات التي قام بها المجلس الاستشاري أو الشهود الذين استمع إليهم أو الخطوات التي تمكن من انجازها. وأؤكد أن عائلة بن بركة تعيش في ظل ضبابية مطلقة، وهذا ما يرفع من تخوفاتنا من نوعية النتائج التي توصل إليها المجلس الاستشاري بدون إخبار عائلة بن بركة أولا والرأي العام.
> كيف تقرأون التصريحات التي يدلي بها مسؤولون مغاربة عن وجود معطيات جديدة في ملف بن بركة بدون أن يتم الكشف عنها بعد مرور شهور؟
ـ عشنا خلال العامين الأخيرين ما يشبه الفواصل الإعلانية المتعاقبة التي تبشر بقرب الكشف عن أشياء جديدة، لكنها تصريحات لم تؤد إلى أية نتيجة، أطلقها أعضاء هيئة الإنصاف والمصالحة الذين شرحوا بشكل تلقائي أنها (الهيئة) ستتكلف بالتطرق إلى بعض الملفات الشائكة والرمزية وفي مقدمتها ملف المهدي بن بركة. وبطبيعة الحال التقينا أعضاء في الإنصاف والمصالحة وزودناهم بكل ما نملكه من معطيات، بيد أنه بعد سنتين قدمت الإنصاف والمصالحة تقريرها واكتشفنا أنها قامت بتعليب ملف بن بركة في صفحة يتيمة بطريقة لا تليق بمستوى الملف أو الشخصيات التي تشكلت منها الهيئة والتي لها اطلاع عليه، كما أنها قدمت تفسيرات وتصريحات لا ترقى إلى مستواها. والشيء نفسه يقع حاليا مع المجلس الاستشاري الذي صرح أعضاء في لجنة المتابعة به بوجود أشياء بدون أن يخبرونا بطبيعتها. وحتى بالنسبة للسلطات القضائية فإنه رغم تصريحات محمد بوزوبع وزير العدل حول إمكانية مجيء قاضي التحقيق الفرنسي باتريك رمائييل إلى المغرب من أجل مواصلة التحقيقات، بيد أنه ليس هناك أي تقدم عمليا.
> انتقد ادريس بن زكري التصرفات التي قام بها قاضي التحقيق الفرنسي باتريك رمائييل، خصوصا دخوله إلى المغرب متخفيا، ما رأيكم فيما قيل عنه؟
ـ أظن أن القاضي الفرنسي قام ببعض التصرفات غير السليمة، وفي تقديري فإن ذلك لم يقع بدافع رغبة في الاختفاء أو عدم احترام استقلالية القضاء، بل هو سلوك غير قويم سجلناه في حينه وأبلغناه به. هذا الأمر جانبي ولا يصب في جوهر الملف، فكل تحركات القاضي كانت في إطار اختصاصاته من أجل الدفع بالملف إلى الأمام، لكن ما نلاحظه أن السلطات القضائية المغربية، خصوصا الوزير بوزوبع، ورئيس المجلس الاستشاري بن زكري، استغلا ذلك التصرف في كل مرة من أجل تغطية العجز في تحقيق تقدم في الملف على الصعيد المغربي.
أظن أن الأمر الأساسي يبقى هو معرفة الحقيقة وما إذا كنا متفقين على هذا الجوهر في إطار احترام استقلالية القضاء. كما أن السلطات المغربية يجب أن تتجاوز بعض التصرفات الجانبية من أجل الوصول إلى عمق القضية. إن وزير العدل ورئيس المجلس الاستشاري صرحا معا بوجود رغبة في معرفة الحقيقة، لذلك يجب ترجمة هذه الرغبة عمليا وتجاوز كل العراقيل الجزئية التي يمكن أن تؤخر تقدم التحقيق. والشيء الذي يجب أن لا ننساه هو أننا وصلنا إلى 42 عاما بعد الجريمة والشهود الذين مازالوا على قيد الحياة هم الآن مسنون، وجزء منهم انتقل إلى دار البقاء. فهل يجب أن ننتظر موتهم جميعا حتى نصرح بأننا لم نستطع الوصول إلى الحقيقة؟ كما أن بعض الوثائق التي تتحدث عن هذه القضية ضاع، والبعض الآخر مهدد بالضياع بمرور الوقت. أظن أن المسؤولية التاريخية يتحملها الجميع سواء السلطات المغربية أو الفرنسية بخصوص هذا الملف، لذلك يجب تجاوز هذه العراقيل من أجل المضي إلى الأمام.
> ما رٍأيك في ما قاله وزير العدل المغربي قبل شهور في التلفزيون المغربي بأن المسؤولية الأولى في قضية بن بركة تتحملها السلطات الفرنسية وأن الرباط ستكشف عما تملكه من معطيات، عندما تبادر باريس إلى ذلك أولا؟
ـ نحن كنا دائما نركز على أن اختطاف واغتيال بن بركة، ساهمت فيهما عدة أطراف. ومن هذا المنطلق فالقرار السياسي الذي اتخذ من أجل وضع حد لنشاط والدي بطريقة إجرامية اتخذ داخل المغرب وعلى أعلى مستوى داخل الدولة المغربية. أما على مستوى المساعدات ونسج خيوط المؤامرة فقد تداخلت فيها عدة أطراف، تضم الاستخبارات المغربية وزير الداخلية ومدير الأمن المغربيين. أما على المستوى الفرنسي فهناك المخابرات الفرنسية وعناصر الأمن والعصابات الفرنسية. وكان هناك علم بتحضير الجريمة لدى أعلى السلطات الفرنسية ووزارة الداخلية وربما أيضا داخل رئاسة الوزراء. وكل هذا يكتمل بتدخل الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية.
تلك المؤامرة توضح أن جريمة اغتيال والدي تقف وراءها عدة أطراف، وهذا ما نتأكد منه كل مرة. ونحن لم نقل أبدا إنها عملية مغربية أو فرنسية محضة، رغم تبادل الاتهامات في هذا الشأن بين المغرب وفرنسا. فمسؤولية الوصول إلى الحقيقة ملقاة على عاتق الطرفين. القضاء الفرنسي معني بالملف بحكم وجودنا في فرنسا، وكون الجريمة وقعت فوق التراب الفرنسي. وبقينا دائما نطالب برفع الحجز عن ملفات الاستخبارات الفرنسية، والعمل الذي قمنا به كان أيضا على المستوى السياسي تجاه المسؤولين السياسيين الفرنسيين عن طريق كل وسائل الضغط الإعلامي والجماهيري على الرؤساء الفرنسيين الذين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكذا وزراء العدل والدفاع طيلة العقود الأربعة الماضية. وفعلا وصلنا إلى نتيجة جزئية عام 2005 برفع طابع السرية الجزئي عن وثائق كانت لدى قاضي التحقيق، ونحن متأكدون من وجود وثائق أخرى لدى السلطات والأجهزة الفرنسية.
ستطالب عائلة بن بركة رئيس، أو رئيسة، فرنسا، المقبل، القيام بكل ما في وسعه قضائيا وقانونيا وسياسيا، من أجل مساعدتنا في الوصول إلى الحقيقة كاملة. وهو الشيء نفسه الذي سنقوم به على المستوى المغربي. ويمكن أن نفسر الأضواء المسلطة على المغرب في الوقت الراهن بأنه إلى غاية عام 1999 كان التطرق لملف بن بركة داخل المغرب يعد ضربا من ضروب المستحيل. لكن منذ ذلك التاريخ حصل تحول مهم وأصبح بإمكان القاضي الفرنسي إجراء إنابة قضائية، كما أن المغرب صار يتقبل بعض التحريات التي يرغب في القيام بها، وأن بعض الأشخاص صاروا يتحدثون عن عملية اختطاف واغتيال بن بركة. والمطلوب الآن هو أن يتم الاستماع إليهم قبل فوات الأوان، إضافة الى أنه تم الكشف عن هوية بعض المسؤولين الكبار في الأجهزة الأمنية المغربية الذين كانت لهم مسؤولية أقل في السلم الوظيفي قبل أربعة عقود، بيد أنهم يمكن أن يكونوا على علم ببعض التفاصيل.
وأظن أن إمكانية الاستماع إلى هؤلاء الأشخاص موجودة الآن في المغرب، كما أن العاهل المغربي الملك محمد السادس أدلى بحوار لجريدة «لوفيغارو» الفرنسية أعلن فيه عن اهتمامه بالكشف عن الحقيقة في قضية والدي. وهذه كلها مؤشرات شجعتنا ونمت لدينا أملا في إيجاد حل لهذه القضية في المغرب بعد أربعين سنة من الانتظار. ومع الأسف لم تكن هناك ترجمة عملية لكل هذه التصريحات، وهناك خيبة أمل في تجربة الإنصاف والمصالحة، ونعاني من تعتيم حول عمل لجنة المتابعة داخل المجلس الاستشاري المغربي لحقوق الإنسان. تلك التصريحات جميعها جعلت الحركة الحقوقية المغربية والرأي العام المغربي تنتظر حصول بعض التقدم الذي لم يحصل. إن قضية بن بركة تتعلق باغتيال قائد وطني لعب دورا مهما في محاولة بناء مغرب متقدم.
> أعلن محمد اليازغي، الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (غالبية حكومية) عن قرب مبادرة ملكية من أجل كشف حقيقة ملف بن بركة، فهل يمكن أن يتدخل العاهل المغربي من أجل طي هذه القضية التي عمرت طويلا؟
ـ نحن كعائلة طرحنا الملف على المستوى القضائي في فرنسا، وكذا على كافة المسؤولين السياسيين في البلدين الذين عليهم أن يقوموا بمجهودات.
> استمع قاضي التحقيق الفرنسي رمائييل العام الماضي إلى وزير الداخلية المغربي الأسبق إدريس البصري الذي يقيم حاليا في باريس، هل علمت بمعطيات جديدة حول هذا اللقاء غير ما نشر في الصحف وقتها؟
ـ لم يقل البصري شيئا مفيدا للقاضي. وأظن أنه بحكم منصبه كمسؤول سابق عن الاستخبارات الداخلية في المغرب، فأكيد أنه يعرف بعض التفاصيل أو استطاع أن يطلع على الملف. ولحدود اللحظة لم يكشف عن هذه المعلومات.
> مر إدريس البصري بفترة توتر مع النظام السياسي المغربي، ألم تحاولوا ربط الاتصال به بعد استقراره في باريس؟
ـ من جهتنا لم نقم بأية مبادرة في هذا الإطار.
> ومن طرفه هو، هل بلغت إلى علمكم أية محاولة في هذا الاتجاه؟
ـ الاتصالات الوحيدة التي جرت مع البصري كانت عن طريق القضاء.
> بعض الأحزاب السياسية المغربية تدعي أنها وريثة لفكر المهدي بن بركة، وكلما انشق حزب عن الاتحاد الاشتراكي إلا وحمل معه صورة والدك إلى مقر الحزب الجديد، فمن يملك فكر بن بركة؟
ـ فكر بن بركة هو ملك لجميع المغاربة، والأهم في كل هذا أن يتم استعمال فكره بطريقة مفيدة. وطبعا فكر والدي يحتاج الى تحديث في بعض النقاط. إذا كانت هذه الأحزاب ستتبنى تراث الراحل فهذا أمر جيد، لكن هذا لا يعني التبني المطلق، فما يحكم على صدقية كلام تلك الأحزاب هو الممارسة والنتيجة، لأن هدف فكر بن بركة هو تقدم الشعب المغربي. أما الذين يدعون أنهم ورثة وقاموا بهذا العمل فأكيد أن عملهم سيكون مفيدا. وفعلا هناك أحيانا مساس بفكر وذاكرة والدي، بتحويلهما وتحويرهما. ومن جهتنا نحاول نشر وتوثيق الأقوال والكتابات الأصلية ليعرف الناس ما قاله بن بركة حتى لا يتكلم البعض عن تراثه بدون أن ينفذ إلى مضمون هذا الفكر.
> نعرف البشير بن بركة، باحثا عن حقيقة اختفاء والده، بيد أننا نجهل الكثير عن أفكاره السياسية ورؤيته لما يحصل في المغرب بعد وفاة الملك الراحل الحسن الثاني. كيف تقيم ما يعيشه بلدك في السنوات الأخيرة؟
ـ يصعب علي إعطاء تقييم لما يحدث في المغرب، بحكم أنني بعيد جغرافياً عنه، إنني مهتم بالأوضاع الحقوقية والاجتماعية التي أتتبعها مثل باقي المغاربة. أظن أن رأيي غير مهم كثيرا لكوني مهتما أكثر بالحديث باسم عائلة بن بركة المنشغلة أكثر بالبحث عن الحقيقة، وهو واجب طبيعي لزوجة وأبناء مهتمين بمصير زوج وأب غائب.
وأقول إن البحث عن جريمة اغتيال والدي فرض علي شخصياً الاهتمام بالظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها المغرب وأدت إلى هذه الجريمة، وذلك من أجل فهم كيفية تعويض الاغتيال والاختطاف السياسي للنقاش والحوار الديمقراطي في العمل السياسي. وبصراحة ليست لدي رغبة في الخوض في تحليل الظرف السياسي في المغرب بحكم وجود أشخاص أكثر تأهيلا مني، يعرفون واقع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. نعتبر أنفسنا ضمن سيرورة المطالبة والعمل من أجل بناء هياكل ديمقراطية مؤسساتية تسمح للجميع بالتعبير الحر من اجل ضمان الحق في الصحة والعمل والتربية لكافة المغاربة.
> أكيد أن هذا ما تطلب منك قراءة العشرات من الكتب حول التاريخ السياسي للمغرب؟
ـ طبعا، هناك أشياء في التاريخ السياسي المغربي عايشتها رغم صغر سني آنذاك، بحكم أن سنوات الرصاص لم تتوقف عام 1965. وكنت متتبعا للشأن السياسي المغربي عندما كنت مناضلا نشيطا في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وجميع أنشطة الحركة التقدمية في مواجهة ممارسات النظام المتعلقة بالاختطاف والاغتيال. الآن ظهر في المغرب جيل جديد لم يعايش تلك فترة الاختطاف وبالتالي لا يمكنه أن يفهم التناقض الناتج عن اغتيال قائد وطني أعطى الكثير لبلاده. إن عملنا في إطار البحث عن الحقيقة يروم المساهمة في تسليط الضوء على التاريخ المغربي. ومن هذا المنطلق لا يمكننا أن نبني المستقبل بدون معرفة صحيحة وكاملة للماضي مهما كان مريرا. وكل هذا يدخل في إطار المساهمة في التحولات الجارية في المغرب، رغم البعد الجغرافي، من أجل بناء ديمقراطية حقيقية.
> قرأ العديد من المتتبعين عودة عائلة بن بركة إلى المغرب إثر تسلم العاهل المغربي الملك محمد السادس مقاليد الحكم كإشارة على التحولات التي بدأ يعيشها المغرب، هل تقرأون عودتكم بالمنطق نفسه؟
ـ جاءت عودتنا في إطار قرار اختياري اتخذته العائلة لأن وجودنا بالخارج كان اضطراريا بعد اختطاف واغتيال والدي. إذ كنا حينها موجودين بالقاهرة، وبعد ذلك قررت العائلة العيش في الخارج، ولم نتخذ قرار العودة إلا في عام 1999 على إثر التصريحات الأولى للعاهل المغربي بشأن التغييرات الديمقراطية في البلاد. لم نضع قرار العودة في أي إطار سياسي، بل اعتبرناه إحياء للاتصال المباشر مع المغرب. وفي الوقت نفسه الذي باشرنا فيه اتصالات من أجل إخبار السلطات المغربية بقرار العودة أكدنا أنها تعني استمرارية المطالبة بالحقيقة فوق أرض الوطن بعدما طالبنا بها عن بعد.
> ماذا خالجك عندما وطأت قدماك المغرب بعد غياب 35 عاما تعج بكثير من الحمولات الرمزية والصراعات السياسية داخل وطن غادرته طفلا وعدت إليه بعد غيبة طويلة؟
ـ كنت أشعر بالفرح والحزن في الوقت نفسه. لقد اختلطت المشاعر في دواخلي، وشعرت بتأثر كبير بسبب وجود المئات من المناضلين الحقوقيين وضمنهم الكثير من المعتقلين السياسيين السابقين والمئات من أصدقاء والدي. وخلال مدة إقامتنا الأولى التي لم تتجاوز عشرة أيام تقاطر العديد من الوفود الرسمية والمناضلين الذين أكدوا ضرورة الاستمرار في البحث عن الحقيقة. ولمسنا عمليا أن والدي كان ما زال حيا حتى لدى جيل الشباب الذي ولد بعد الستينيات.
> لا بد أن هناك عبارة ما تفوه بها والدك الراحل ذات يوم، بقيت عالقة في ذهنك، هل يمكن أن نعرفها؟
ـ هي كلمات وتصرفات وذكريات مشتركة في الحياة اليومية، ولحظة انتظار عودته من السفر كل مرة، واهتمامه بأبنائه عندما يكون حاضرا معهم. كان ينسى كل انشغالاته من أجل العائلة.
> متى شاهدت والدك آخر مرة ؟
ـ كانت في مطار القاهرة، أسابيع قبل اختطافه. وكان مسافرا إلى اندونيسيا ثم فرنسا. رافقته إلى المطار وتبادلنا كلمات وداع عادية على أساس أن اللقاء سيكون قريباً، وطلب مني الاهتمام بدراستي وإخوتي الصغار. دار بيننا كلام تقليدي يوجهه أب لابنه قبل السف

