طبـاعة

حفـظ

ارسال
الأربعاء 25 أبريل 2007م، 08 ربيع الثاني 1428 هـ
انتخابات ضد الديمقراطية!

 

د. برهان غليون

جرت في سوريا بداية الأسبوع الحالي، انتخابات برلمانية تقول التقارير إنها لم تحظ باهتمام كبير إلا لدى بعض أصحاب المصالح الذين يتربصون بمقعد في البرلمان لاستخدامه مطية لتحقيق مآربهم الشخصية، ويعملون المستحيل لجذب بعض المحتاجين لتسديد فواتير حساباتهم الشهرية.

وفي البلاد العربية تجري انتخابات كل بضعة أشهر، لا تختلف كثيراً في طبيعة تنظيمها عن الأولى، ولا يهدف معظمها في الحقيقة، على عكس الغاية التي أعلنت لتبريرها، إلا إلى منع الشعوب من اختيار ممثليها. هكذا تتحول الانتخابات التي ابتكرت لتجسيد السيادة الشعبية إلى وسيلة لتزوير الإرادة العامة والتمديد الأبدي للسلطات والنخب والأحزاب التي وصلت إلى الحكم بالوسائل الاستثنائية، العسكرية وغير العسكرية، وتريد أن تحتفظ به على أي نحو وبأي ثمن، بعد أن وحدت تماماً بين مصالحها الخاصة والمصالح العامة والوطنية. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يفقد المواطن الثقة بالنظام السياسي، ومن وراء ذلك بالسياسة نفسها، وبالطبقة السياسية التي تتعامل معها، وأن يراهن بشكل متزايد، من أجل التعبير عن آماله ومطامحه المشروعة، على قنوات أخرى أقل فساداً وقدرة على الإفساد مثل الجمعيات الدينية والعصبيات العشائرية والطائفية والمذهبية. فهنا يستطيع أن يحقق مشاركته وتواصله مع أقرانه على قاعدة أفضل من المساواة والندية، من دون أن يهزأ أحد منه أو يستهين بعقله وإدراكه.

ليست الانتخابات غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق غايات سياسية واضحة ومعروفة، وفي مقدمها تمكين المواطنين من اختيار من يعتقدون أنهم الأقدر على التعبير عن تطلعاتهم السياسية وعلى تلبية مطالبهم وتحقيق أهدافهم ومصالحهم. وحتى يتسنى تحقيق هذا الاختيار ينبغي أن يتمكن جميع أفراد الشعب المحققون للشروط القانونية من تقديم ترشيحاتهم والتعبير عن برامجهم وتوجهاتهم وتنظيم أنفسهم في شروط متكافئة ومتساوية حتى تكون المنافسة بينهم سليمة ونزيهة. كما ينبغي أن يتمكن جميع الناخبين من معرفة برامج ممثليهم والتصويت بحرية لمن يرون فيهم الكفاءة وروح المسؤولية والقدرة على خدمة المصالح الوطنية. وهذا يتطلب كما هو واضح أن يتمتع الجميع، سواء كانوا مرشحين أو منتخبين بشرط الحرية، الذي يمكنهم من المشاركة في النشاطات الفكرية والسياسية والتعبير عن آرائهم وتنظيم اجتماعاتهم ومناقشة بعضهم البعض. بذلك تعمل الانتخابات على إيصال من هو الأصلح والأكثر تجسيداً لإرادة الناخبين إلى السلطة، وتضمن لهذه السلطة لهذا السبب الشرعية التي تمكنها من الحصول على تأييد المواطنين لقراراتها والحصول على ثقتهم التي تحتاج إليها لتطبيق هذه القرارات بطواعية من قبل أفراد المجتمع، أي لضمان احترام القانون والتقيد به.

وليس لمثل هذه الانتخابات قيمة إذا كانت نتائجها محسومة سلفاً؛ سواء بسبب التلاعب والغش التقليدي الذي تميزت به انتخابات العديد من النظم العربية التي تسيطر عليها سلطة أمنية تتحكم بكل نشاطات السكان، أو بسبب وجود نصوص قانونية تضمن مسبقاً لطائفة من المرشحين، بسبب الانتماء إلى الحزب الحاكم أو إلى جبهة تقدمية أو غير تقدمية، أو بسبب امتلاك أفرادها لوسائل التأثير على الحكومة أو شراء أصوات الناخبين، النجاح، أي سواء أكان ذلك تطبيقاً لقوانين لا ديمقراطية أصلاً أو نتيجة تزوير منظم لإرادة الناخبين. وبالمثل لا قيمة لأي منافسة انتخابية إذا افتقد المرشحون أو الناخبون شرط الحرية الذي يسمح لهم بانتقاء ما يعتقدون أنه الأصلح والأكثر مطابقة لصفات ممثل الشعب والأمة. فلا منافسة انتخابية، أو باختصار لا انتخابات، عندما يخضع ترشيح المواطنين لمناصب النيابة إلى قيود سياسية، أو عندما يتضمن نص القوانين تمييزاً بحق فئة منهم بالمقارنة مع الفئة الأخرى، سواء أكان هذا التمييز بسبب انتمائهم السياسي أو الأيديولوجي أو الديني أو الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي، أو بسبب منعهم من الاتصال بناخبيهم والتعبير الصريح عن آرائهم ومواقفهم وبرامجهم السياسية. وبالمثل لا منافسة انتخابية، عندما تتعرض حرية الناخبين للانتقاص ويفرض عليهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة التصويت لنوع من المرشحين أو لقوائم مختارة من قبل السلطة.

في جميع تلك الحالات تسقط الانتخابات كوسيلة لتنظيم الحياة السياسية الديمقراطية، وتتحول إلى أداة في يد السلطة الحاكمة لتعزيز سلطتها وفرض الأمر القائم على السكان. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يشيح المواطنون بنظرهم عنها، وأن تكون مشاركتهم محدودة، أو أن لا يقبل المشاركة فيها، على مستوى الترشح والانتخاب، إلا أصحاب المصالح الخاصة الذين يعرفون كيف يستفيدون من مناسبتها لتحسين أوضاعهم والدعاية لأنفسهم. وليس من قبيل الصدفة أن تتحول الانتخابات التي أعدت في الأصل لتحقيق مطلب تداول السلطة بصورة سلمية وإتاحة الفرصة لأصحاب الآراء والاجتهادات الوطنية للتعبير عن أنفسهم وتطوير رؤيتهم والاجتهاد في إيجاد الحلول الايجابية للمشاكل الاجتماعية، إلى وسيلة لتأبيد النظم القائمة والتغطية على حرمان المواطنين من المشاركة في انتخاب ممثليهم والمساهمة في السلطة، وأن لا تكون نتائجها الحقيقية سوى ضرب ثقة الجمهور بالدولة والحياة السياسية وتحويل العمل السياسي إلى تجارة خاصة لا تجذب إلا أولئك الأكثر تجرداً من المبادئ الأخلاقية والوطنية والأكثر ميلاً إلى استغلال النفوذ لتحقيق المآرب الشخصية. هكذا تتحول الانتخابات والنظام السياسي نفسه إلى مصدر إضافي لإنتاج الفساد على أعلى مستوى من مستويات السلطة وتصبح الدورة الانتخابية مناسبة دورية لإعادة توزيع المنافع والحصص والعمولات والامتيازات على الأنصار والموالين وتجديد أسس التحالف بين قوى الفساد المنتشرة في الإدارة والدولة والقطاعات الاقتصادية والمؤسسات الأمنية والعسكرية. وهذا ما يفسر لماذا تصبح البرلمانات العربية أو معظمها إحدى القلاع الرئيسية التي تقف في مواجهة إرادة الناخبين وتساهم في تجميد الأوضاع وقتل أي إرادة تغيير، بدل أن تكون الإطار الأمثل لتنمية حركة الإصلاح ومسايرة التجديدات السياسية والتشريعية العالمية.

الانتخابات التي تهدف إلى تثبيت اختيار السلطة الحاكمة بدل أن تتيح للشعب انتقاء ممثليه، لا تكرس الفساد فحسب وتجعل منه أساس الحياة السياسية نفسها ولكنها تحرم المجتمع من الأمل بأي تغيير أو إصلاح، وتدفع به إلى دائرة اليأس والكفر بالدولة وبالنظام وقبول جميع التجاوزات السياسية والقانونية. إنها تعكس درجة الاحتقار الذي تكنه النخب الحاكمة للشعب وعمق استهتارها برأيه وإرادته وكرامته وحقوقه. وهي أفضل تجسيد لانعدام المسؤولية والافتقار إلى الحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية. ولا يمكن أن تكون نتيجتها سوى تعميق مشاعر احتقار السياسة والسياسيين عند المواطنين وحرق الأرض التي يعيش عليها مترزقو السياسة أنفسهم. والحكومات التي تقطع الطريق على أي تداول سلمي للسلطة يضمن للجميع الحظوظ المتساوية من النجاح في المستقبل هي التي تتحمل وحدها، وينبغي أن تتحمل، المسؤولية كاملة عما يحصل في البلاد من تدهور في شروط الحياة السياسية والمدنية، ومن توترات ونزاعات اجتماعية وانفجارات طائفية ومذهبية وإثنية.

 *نقلا عن جريدة "الاتحاد" الإماراتية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع

1 - رسالة الى تونسي أبو لحية من ألمانيا
دمشقي |25/04/2007 م، 09:47 صباحا (السـعودية) 06:47 صباحا (جرينيتش)
بالأمس كان النقاش بنفس الموضوع و قرأت تعقيبك على ما كتبت بخصوص الأنتخابات و لم يسمح لي الوقت بالرد عليك 0000يا هذا الأمر يخص بلأساس السوريين فلا علاقة لك به أصلا و رأيك لا يقدم و لا يؤخر حتى بالنسبة لمن يؤيدك الرأي و الحمد لله أنك لم تخيب ظني بك بطريقة محاورة الأخرين حيث أن أمثالك عادة ما ينهون حواراتهم مع الأخرين بضرب الجزم فأمثالك تعودوا على ثقافة الجزم فلا عتب يا ترى أين تربيت على هذه الثقافة في البيت أم في ألمانيا قي كلتا الحالتين أعتبرك مسكين بحاجة لعلاج نفسي خاص جدا و طريقة العلاج تحتاج لجزم من نوع خاص جدا لديك مشكلة بطريقة محاورة الأخرين و قلة أطلاع بأمور كثيرة يجب أن تقرأ كثيرا و تتطلع يعني أنا كسوري عندما أريد أن أعلق على موضوع يخص دولة أخرى أفهم واقع حالها و أعايشه و أكون أبنه و لا أذهب لألمانيا بلد الجزم و أقول للدول الأخرى تستاهلوا ضرب الجزم لأن ألمانيا مثلا أول ما تنزل بالمطار و ترى شرطتهم يتجولون بسلاح كامل رشاشات و مسدسات و قنابل داخل قاعات المطارات ما هذا أليست ثقافة الجزم و يقولون عن أجهزتنا الأمنية أنها أرهابية لو كان هذا الأجراء متبع في بلدي ماذا كان سيقول العالم 00000يا هذا أبحث عن طريقة تحاور بها الأخرين غير طريقة الجزم و دع سوريا لأهلها فأهل مكة أدرى بشعابها

2 - --
سوري للابد |25/04/2007 م، 01:02 مساء (السـعودية) 10:02 صباحا (جرينيتش)
حبيب قلبي عنا في ديمقراطية لانو قائمة الجبهة الوطنية التقدمية تضم اكثر من عشر احزاب وطنية تقدمية لها القاعدة الجماهيرية الواسعة فبلا حكي ما الو طعمة رجاء

3 - فعلا تساؤل يستحق التوقف عنده وهو من أين يأتون بهؤلاء الوزراء؟
ابن الشعب الغلبان |25/04/2007 م، 01:14 مساء (السـعودية) 10:14 صباحا (جرينيتش)
إذا كانت وزيرة المغتربين تعتبر أن كل المغتربين عملاء للانكليز والامريكان، و وزير الزراعة يقول بأن جميع الفلاحين عملاء للبطيخ والباذنجان ، و وزير الصناعة يتهم العمال بالعمالة للمكوك والخيطان، ومجلس الشعب وظيفة للولولة على الفاضي مو على المليان، مين عندكم اسمه مواطن غير صعاليك الزور والبهتان وعصابة الارهاب والنهب والفلتان يا حكام آخر زمان، يعني البلد كان ناقصه مصايب كملتها الدكتورة شعبان. بالمناسبة، الى رقم 1 الم يقل لك صعلوك الخابرات انزل من على الرصيف موجها رشاشه الى صدرك اثناء مرورك قرب مبنى امني؟ أم أنك مسؤول امني لا تطبق عليك القوانين مثل المواطن.

4 - حاج حكي فاضي
سوري حر |25/04/2007 م، 01:34 مساء (السـعودية) 10:34 صباحا (جرينيتش)
ان احد الناس الذين كانوا مراقبين على احد الصناديق وااكد بان الانتخابات كانت ديمقراطية الى ابعد الحدود لانها لم يكن هناك اجبار على التصويت وكان كل شخص يدخل الى الغرفة السرية ويكتب ما يحب دون اجبار او اكراه ولا كن انتم يا عملاء الاستعمار تريدون ان تظهرو كل الامور على انه غير صحيحة وانها غير ديمقراطية .......ولاكن هل لكم ان تقولو من انتم ولمن تعملون اريدكم ان تقول كل شيء الا ان تقولو انكم وطنيين لان الوطن بريء منكم ...............................

5 - الى 3 أبن الشعب الغلبان
دمشقي |25/04/2007 م، 08:37 مساء (السـعودية) 05:37 مساء (جرينيتش)
الحمد لله أن الحارة التي أسكن بها لا يوجد فيها فرع أمني ولا شيئ له علاقة بالدولة بتاتا و أتحاشى المرور من أمام أي مركز أمني ممكن أن أتعرض فيه لمثل ما قلت أعيش في سوريا ولله الحمد على مبدأ أبعد عن الشر و غنيلو و حتى في أحلك الظروف في الثمانينيات أذا وجدت نفسي مضطرا لأن أسير بقرب أي مركز أمني أبادر اي حارس بالسلام من بعيد و بصوت عال (مرحبا رفيق ) و كن رابط الجأش متماسك يعني بالعربي دبر راسك يعني لا تكن سلبيا يا صاحبي اليوم أفضل من امس أنا غادرت سوريا للعمل منذ اكثر من 20 سنة و لا أنقطع عن سوريا لأكثر من 6 شهور و بطبيعة عملي التجاري زرت دولا كثيرة جدا بما فيها الدول الأوربية و بطبيعتي أكره السلبية و الغوغاء و كانت تحصل لي فيها مواقف كثيرة لم أجد أية دولة حالها أفضل من حالنا بكثير بالنسبة لعامة الناس و البسطاء لا يسمح لي الوقت لذكرها لك مني ألف تحية يا أبن بلدي و حاول أن تكون أيجابيا السلبيات موجودة بكل مكان من هذا العالم اليوم أفضل من أمس و كن متفائلا بأن غدا أفضل من اليوم و دائما الشر لا يدوم و الله يبعدك عن كل فروع المخابرات بكل مسمياتها

6 - شكرا للكاتب وللعربية
د. هشام النشواتي |25/04/2007 م، 11:38 مساء (السـعودية) 08:38 مساء (جرينيتش)
مقال رائع بامتياز

7 - رفيقي الدمشقي
آدم |26/04/2007 م، 01:43 صباحا (السـعودية) 10:43 مساء (جرينيتش)
موالفقك على كل كلامك يا رفيق, بس معقول انت ما بتعرف انو برهان غليون سوري ؟؟؟