لم يصبح غولام بوشرون مهندس قطارات لحبه للقطارات وهو طفل. ولكن بسبب المرتب الجيد وساعات العمل القصيرة والتقاعدة المبكر الذي تقدمه شركة السكك الحديدية الفرنسية المملوكة للدولة. ولكن الآن كل ذلك يتعرض للتهديد. واشتكى بوشرون «في العشرين اوالثلاثين سنة الماضية، فشلت الحكومة في كل شيء» فقد انحنت الحكومة تحت ضغط قواعد واجراءات الاتحاد الاوروبي، التي شلت واجلت تقاعده، بينما أدت الانترنت والمكننة الى اختفاء الكثير من وظائف السكك الحديدية.
ولذا فعندما تذهب فرنسا الى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية اليوم، سيؤيد بوشرون المرشح الذي سيواجه العولمة، ويحمى الوظائف من تقدم التكنولوجيا ويدافع عن خطة تقاعده، التي تسمح له بالتقاعدة في سن 56. ورفض تحديد اختياره. وقال «نحتاج الى تغيير. نحتاج الى تنشيط البلاد ـ المزيد من الوظائف وزياردة المرتبات للجميع».
ويعكس مطالبة بوشرون بالتغيير، من ناحية وخوفه المطلق منها في ناحية اخرى، التناقضات التي تشعر بها البلاد، وهي تتوجه لصناديق الانتخاب. ويجسد المرشحون الثلاثة الرئيسيون هذا التناقض ايضا. فبينما يقود كل منهم حملته الانتخابية باعتباره عنصر التغيير، فإن مجموعة محدودة من الناس هي التي تعتقد ان الفائز في انتخابات الرئاسة، سيواجه مشاكل البلاد الخطيرة.
ويخشى ملايين الفرنسيين الذين يعانون من الركود الاقتصادي والدين العام الهائل، وارتفاع معدلات البطالة تلاشي نظام الرعاية الاجتماعية، الذي منحهم اسبوع عمل لا يزيد على 35 ساعة اسبوعيا، واجازة تستمر لمدة شهر ورعاية صحية مجانية ومميزات اجتماعية كريمة.
وقال لورن جوف وهو صاحب مزرعة للماعز من جنوب شرقي فرنسا: «نحب الحديث عن الثورة الفرنسية والغاء الامتيازات، ولكن الامتيازات انتقلت من يد لأخرى».
وما زالت فرنسا شريكا تجاريا مهما للولايات المتحدة وحليفا دبلوماسيا. وقوة نووية وعضوا في الاطلنطي، ولها مقعد ثابت في مجلس الأمن. واصبحت شريكا اساسيا للولايات المتحدة للحد من الطموحات النووية الايرانية، واعادة اعمار افغانستان. ومع علاقاتها القوية مع مستعمراتها السابقة في الشرق الاوسط، تلعب فرنسا دورا رئيسيا في قوات حفظ السلام ولا سيما في لبنان.
ويوضح فيلب غوردون خبير الشؤون الاوروبية في معهد بروكينغز «لم تعد فرنسا القوة العظمى». ولكن مع تزعمها في التعامل مع ايران، ووجود قوات لها في افغاننستان، وقوات حفظ السلام في لبنان، ودورها في كل من الامم المتحدة وحلف الاطلنطي «اكتشفنا في السنوات القليلة الماضية، مدى احتياجنا لفرنسا وغيرها من الحلفاء الأوروبيين من اجل الشرعية والدعم الاوروبي».
أما في الداخل، فإن الحديث عن الوظائف والضمان الاجتماعي يسيطر على سباق الانتخابات. وقال الاقتصادي مارك تواتي «هذه الاستراتيجية الفرنسية لم تعد تعمل، فلا نريد التغيير، ولا نريد التكيف مع العولمة، ولا نريد خفض الانفاق العام وخفض الضرائب. وأضاف ان المرشحين رفضوا الحديث عن الحلول الحقيقة.
وقد حكم فرنسا رئيسان في 26 سنة، وتنبع الرغبة لقيادة جديدة وشابه من مشاعر الغضب ضد الرئيس الحالي جاك شيراك البالغ 74 سنة الذي حكم البلاد لمدة 12 سنة، متواصلة، ولم يقدم تعهداته بالاصلاح. وبدلا من ذلك شاهد عصره تزايد الاحساس بالاعتلال وهو ما اطلق عليه المحللون اسم «الانهيار».
ومن بين 12 مرشحا في الجولة الاولى اليوم، يوجد ثلاث شخصيات رئيسية نيكولاس ساركوزي وسيغولين رويال وفرانسوا بيرو.
لورون جوف واحد من كثيرين أكدوا انهم من مؤيدي التغيير. ويقول جوف ان الرغبة الصادقة في التغيير تتطلب المزيد من الانتاج، لأن الانتاج يدفع الناس الى إنفاق أكثر، ويوفر المزيد من فرص العمل، وأضاف قائلا إن الأمر يبدو سهلا إلا ان المشكلة الرئيسية تتمثل في ارتفاع تكلفة العمالة، لأن الضرائب معدلات الضرائب مرتفعة. كثر من المحللين الاقتصاديين والسياسيين والمواطنين الفرنسيين، يرى ان البلاد تعاني من مشكلة حقيقية، وأنها تقوم على اساس من الأفكار الاشتراكية، التي لم تعد صالحة اليوم. ففرنسا اليوم، كما يراها بعض المحللين، باتت تنافس على لقب «رجل اوروبا المريض» في ظل عجز الميزانية نسبة الديون غير المسبوقة (65 في المائة من إجمالي الناتج المحلي) والنمو الاقتصادي المعتل وارتفاع معدلات البطالة. ويصل إجمال الإنفاق الى حوالي 55 في المائة من الدخل القومي، فيما لم تنزل نسبة البطالة من 8 في المائة على مدى 25 عاما. وطرح المرشحون عدة مقترحات للتعامل مع هذه المشكلة. فساركوزي، الذي يعتبر ابرز مؤيدي اقتصاد السوق الحر، وعد باستثناء اجر ساعات العمل الإضافي من الضرائب ورسوم الضمان الاجتماعي، واقترح خفض للضرائب في أكثر من جانب، على الرغم من انه من أنصار توفير الحماية الاقتصادية لدعم المنتجين المحلييين. اما بيرو، فقد اقترح اعفاءات ضريبية، فيما تقول رويال انها تريد الحكومة ان تساعد في ايجاد نصف مليون وظيفة جديدة للشباب من خلال توفي ضمانات تتعلق بالحد الأدنى للأجور، كما اقترحت ايضا ان رفع الحد الأدنى للأجور من 1625 دولارا الى 1950 دولارا في الشهر. لم يوضح أي من المرشحين كيفية التمويل لتنفيذ هذه المقترحات. إلا ان كثيرا من الناخبين يرفضون ايضا قبول فكرة ان زيادة النمو الاقتصادي في البلاد، تتطلب التخلي عن الجوانب المتعلقة بتأمين الوظائف واستحقاقات الضمان الاجتماعي المكلفة. ويقول المحلل السياسية بمعهد الدراسات السياسية بباريس، ان الناخبين يريدون ان تكون هناك ضمان لاستمرار الوظائف وتوفير قدر كبير من الحماية للمنتجين وإيجاد وظائف جديدة.
*خدمة «نيويورك تايمز» (شاركت في إعداد هذا التقرير، الباحثة كروني غافارد).
