بدأت موجة ضغط جديدة بالتسرب إلى الاقتصاد الأميركي، من شركات اجنبية منافسة راحت تبرز من أسواق مثل البرازيل وروسيا والهند والصين. وهذه الشركات تسعى إلى أن تصبح متعددة الجنسيات مثلما هو الحال مع شركة سامسونغ الكورية الجنوبية وشركة تويوتا اليابانية اللتان برزتا في المراحل المبكرة من العولمة.
ومن البرازيل هناك شركة أمبراير التي أصبحت أكبر مجهز طائرات إقليمي لشركات الخطوط الجوية. بينما راحت شركات برازيلية أخرى مثل براسكم وامبراكو وناتورا بالتوسع أيضا في أسواق عالمية أخرى. من جانب آخر، هناك شركات روسية مثل «غازبروم» و«لوك أويل» و«روسال» بدأت تستخدم مصادر روسيا الطبيعية كي تصل إلى الولايات المتحدة وبلدان أخرى. كذلك هو الحال مع الهند التي تقدم شركات عملاقة في مجال الخدمات التكنولوجية مثل «ويبرو» و«انفوسيس» و«خدمات تاتا الاستشارية» ومنافسين عالميين كبار في مجال الصناعة والمنتجات الطبية. وتحتل شركة إنتاج فولاذ يمتلكها «لاكشمي أن ميتال» الهندي الذي يعيش في أوروبا، الصدارة على المستوى العالمي.
وقد تكون الصين أكبر مصدر للشركات المتعددة الجنسيات في الاسواق الناشئة. فعدا شركة «لينوفو» التي اشترت شركة الكومبيوترات الشهيرة «آي بي أم»، برزت شركة «هاير» في مجال الأدوات الكهربائية المنزلية وتتنافس «هواوي تكنولوجيز» مع شركة «سيسكو سيستمز» لبيع معدات اتصالات في شتى أنحاء العالم، بينما تسعى شركة «بيرل ريفر بيانو غروب» حصة كبيرة في سوق البيانوهات. ويعد ظهور هذه الشركات متعددة الجنسيات الجديدة كجزء من «أكبر تحول في الاقتصاد العالمي منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر» كما قال أنطوان فان أغتمايل، مؤلف كتاب، «قرن الأسواق الصاعدة: كيف تسيطر فصيلة جديدة من شركات عالمية على العالم»: «نحن نرى عودة كفة الميزان على المستوى العالمي إلى ما كانت عليه قبل الثورة الصناعية حيث كانت الصين والهند قوتان اساسيتان في اقتصاد العالم».
كيف تمكن هذا العدد الكبير من الشركات التي كانت راضية بالمنافسة على مستوى محلي فقط أن تكسب سريعا الخبرة كي تدير عمليات معقدة متعددة الجنسيات؟ وأحد التفسيرات لذلك هو التسهيلات الجديدة في حقلي المواصلات والسفر الجوي على المستوى العالمي. والتفسير الآخر إن الخبرة الضرورية أصبحت معروضة للبيع.
وقال البروفسور بيتر ويليامسون في كلية انسيد لإدارة الأعمال وأحد مؤلفي كتاب «تنانين بجانب بابك: كيف تزعزع تكاليف الابتكار الصينية المنافسة العالمية»:، قال «هذه الشركات تشغّل الناس من شتى أنحاء العالم. إنها تستخدم شركة أوغيلفي أند ماذر كي تقوم بإعلاناتها التجارية. وهي تستخدم مؤسسة ماكينزي لوضع استراتيجيتها. يمكن القول إن تحولا كبيرا جرى في القدرة على الحصول على المعرفة التي كان بناؤها في السابق بطيئا جدا».
وتختلف التقديرات بالنسبة لعدد تلك الشركات، فكتاب فان أغتمايل يحددها بـ 25 شركة، بينما وفقا لدراسة نشرتها مؤسسة «بوسطن كونسولتينغ غروب» هناك 100 شركة متعددة الجنسيات في الاسواق الناشئة، حيث حددت شركة «أكسنتشر Accenture» الاستشارية العالمية نحو 62 شركة في قائمة اكبر 500 شركة في العالم عام 2005 والتي نشرتها مجلة «فورتشن» الاميركية، ارتفاعا من 20 شركة عام 1995، متوقعة ان يصل الرقم الى 100 شركة خلال 10 سنوات.
وفي هذا السياق يقول فان أغتمايل ليست كل الشركات الجديدة سيكتب لها النجاح، مبينا انه ينبغي لتلك الشركات ان تتعلم التركيز على مناطق اساسية تبدع فيها، بدلا من العمل في نشاطات متعددة مثلما تفعل في اسواقها المحلية، ومشددا في هذا الاتجاه ان الشركات الغربية تتفوق في مجال التوزيع والخدمات اللوجيستية والماركات.
ولكن من الواضح أن ما يكفي من هذه الشركات ستفلح بحيث أن الأميركيين سيشعرون بذلك سواء بنتائج ايجابية وسلبية. وعلى الجانب الايجابي بالنسبة للمستهلكين فان معظم هذه الشركات لديها هياكل كلفة متدنية وستكون قادرة على توفير سلعها وخدماتها بأسعار متدنية. ولكن سيكون هناك بعض الألم كذلك. وقال البروفيسور ويليامسون ان «كثيرا من الناس ممن اعتادوا على التفكير ان شركاتهم او وظائفهم محمية لأن صعود تلك الشركات في الاسواق الناشئة أمر لا علاقة لهم به»، مشيرا هنا الى حقول مثل العمارة والتصميم والأدوية، ومضيفا «لكنهم سيجدون الآن انهم يواجهون منافسة قوية من تلك الشركات. وستواجه شركاتهم منافسين توفر المستوى ذاته من كفاءة التكنولوجيا والتصميم بربع سعرهم أو خمسه».
وذلك يعني ان الشركات الأميركية سيتعين عليها النظر الى عملياتها الخاصة «بعقلية المعادلة الصفرية»، أي مكسب للاخر هو خسارة لي، وفقا لما يقوله ويليام غرين الرئيس التنفيذي لمؤسسة شركة «أكسنتشر Accenture». ويتابع قائلا: الشركات التي لا تصمم موديلات أعمالها القادرة على المنافسة مع موديلات الشركات المتعددة الجنسية الناشئة سيجري التغلب عليها ببساطة.
ولدى الشركات العملاقة الناشئة استراتيجيات مختلفة تعكس نقاط قوتها وفقا لما يقوله هارولد سيركين نائب رئيس «بوستون كونسولتنغ غروب» التي تتخذ من شيكاغو مقرا لها، والمؤلف المشارك لدراستها الصادرة عام 2006. وتستخدم بعض الشركات، وخصوصا الصينية منها، بصورة رئيسية العمالة الرخيصة لمنافسة الشركات العريقة. ولم يكن لدى الشركات المتعددة الجنسية الناشئة متسعا من الوقت لاقامة ماركات معروفة كما فعلت شركات مثل سوني وأل جي وسامسونغ، ولكنها ستعوض عن ذلك، «من خلال شراء شركات أميركية تستخدم ماركاتها لتطوير ماركاتها الخاصة». كما قال سيركين الذي يقدم استشارات في الصين والهند.
وتعلمت شركات أخرى مثل امبراير البرازيلية استثمار قاعدة محلية من المواهب الهندسية الممتازة ولكن المنخفضة الكلفة. وتتمتع شركات مثل جونسون اليكتريك، التي تتخذ من هونغ كونغ مقرا لها ولديها القدرة على إنتاج ثلاثة ملايين محرك يوميا، تملك مواقع قوية في ماكينة الإنتاج العالمي. في حين قامت الشركات الروسية باستغلال وفرة إيراداتها من مصادرها الطبيعية للقيام بعمليات استحواذ في الدول الغربية.
وهنا قال سيركين انه على المدى البعيد سيكون دخول الشركات المتعددة الجنسيات الجديدة الى سوق الولايات المتحدة «صفقة اكبر» من الوصول السابق للشركات اليابانية والكورية على الأقل بسبب ان بلدانا بحجم الصين والهند يحتمل ان تنتج الكثير من الشركات الهامة، مؤكدا اننا «سنشهد مجيء تويوتا المقبلة من الصين وسامسونغ المقبلة من الهند».
وتمثل الشركات المتعددة الجنسية الجديدة ظاهرة اكثر تعقيدا بكثير من زيادة المنتجات المستوردة، التي يمكن ان تعاق او تقلص بالتعرفات والحصص، وفقا لما يقوله الخبراء. فهذه الشركات ستلجأ الى شراء موجودات وبينما يمكن أن تعوق النزاعات السياسية بعض الصفقات كما في حالة موانئ دبي التي سعت الى شراء موانئ اميركية او محاولة هاير شراء ميتاغ، لا يبدو أن هناك أي ايقاف لهذا الاتجاه الواسع.
كما ستقوم الشركات المتعددة الجنسيات الناشئة ببناء مشاريع جديدة في الولايات المتحدة وتوفير الخدمات والمنتجات التي عليها طلب كبير، مثل كومبيوترات آي بي أم الشخصية التي تقوم بتصنيعها وبيعها شركة لينوفو في الوقت الحالي.
ولكن سيركين متفائل من أن اقتصاد الولايات المتحدة سيواصل الازدهار. وقال ان «هناك الكثير من الواردات التي تأتي من الصين في الوقت الحالي، ولكن ما هو معدل البطالة لدينا ؟ انه ليس 43 في المائة، لقد تأقلمنا مع ذلك».
* خدمة «نيويورك تايمز» خاص بـ«الشرق الاوسط»

