كشف الدكتور توفيق السديري، وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد لـ«الشرق الاوسط»، عن أن وزارته تتجه إلى الدخول في شراكات ثنائية مع عدد من مؤسسات القطاع الخاص لتدريب الدعاة الرسميين في الوزارة على عدد من المهارات السلوكية وفن الاتصال والتعامل مع الجمهور.
وتأتي تلك الخطوات، التي كشف عنها السديري، في مسعى من الوزارة لتطوير القطاع الدعوي في البلاد، بعد أن كان رهينا بالعشوائية والاجتهادات الشخصية طيلة السنوات الماضية، خصوصا في الفترة التي شهدت ارتباطا وثيقا بين خطاب الدعوة وتيار الصحوة، الذي سيطر على المشهد الدعوي منذ تسعينات القرن الماضي، حيث ارتبط الخطاب الدعوي في السعودية، بخطاب آخر صحوي، إلا أن الخطاب الدعوي، اتجه في معظمه للاستقلالية في الوقت الراهن، على الرغم من وجود الظروف المساعدة لإعادة ارتباطه كليا بخطاب الصحوة، وهذا ما حدث فعلا، ولكن هذه المرة بشكل «خفي»، كما يقول الشيخ عبد المحسن العبيكان، المستشار القضائي بوزارة العدل السعودية. وأكد العبيكان لـ«الشرق الأوسط»، على وجود ارتباط وثيق كان ملازما للخطاب الدعوي منذ الحركة الصحوية، التي ظهرت قبل قرابة الـ16 عاما. غير أنه رأى أن هذا الارتباط بدأ بالانحسار في هذا الوقت، وهو ما انعكس على واقع الخطاب الدعوي في هذه الأيام. وقال: «واقع الخطاب الدعوي الحالي، ليس كالسابق»، إلا أن هنالك من لا يستطيع أن يبوح بما يضمره في نفسه من توجهات، «فربما لجأ إلى أساليب أخرى غير الأساليب التي كان يمارسها في خطابه الدعوي في السابق».
وبموازاة فك الارتباط الحاصل بين خطاب الصحوة من جهة، وخطاب الدعوة من جهة أخرى، ظهرت تحركات رسمية في البلاد، في ناحية تطوير أداء القطاع الدعوي وتنظيمه. وفي هذا الصدد، كشف وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد، عن توجه وزارته لتطوير معهد الأئمة والخطباء التابع لوزارة الشؤون الإسلامية، الذي عادة يخضع الدعاة الرسميين المسجلين في الوزارة لدورات تدريبية فيه. واتفق السديري، مع ما ذهب إليه العبيكان، من أن الواقع الدعوي في الوقت الحالي، أفضل مما كان عليه في السابق، مشيرا إلى أن القطاع يعاني من قصور في التنظيم، فيما لفت إلى وجود مساع تطويرية وتنظيمية بشكل يخدم قطاع الدعوة في البلاد. وشهدت الساحة الدعوية في السعودية، تجاذبات شديدة، بين قوى تريد فرض التوجه المعتدل على الخطاب الدعوي، وآخرين يريدون إبقاء هذا الخطاب بشكله المتشدد، حتى شهدت الساحة سابقة هي الأولى من نوعها، حينما قرر الشيخ عائض القرني اعتزال المجال الدعوي في ديسمبر (كانون الأول) 2005، نتيجة تعرضه لانتقادات شديدة اللهجة من قبل متشددين جرَاء ظهوره في فيلم قال فيه ان غطاء وجه المرأة غير ملزم، قبل أن يعدل عن قرار اعتزاله أواخر يناير (كانون الثاني) العام الماضي.
وأعطت هذه الحادثة مؤشرا قويا في حينه، على استمرارية ارتباط الخطاب الصحوي بالدعوي، رغم المحاولات التي جرت ولا تزال قائمة لفك الارتباط الذي تحلحل بعض الشيء. وأدى الفك الجزئي في ارتباط الخطابين الصحوي والدعوي، إلى نشوء 3 اتجاهات على الساحة الدعوية، وفقا للعبيكان، الذي قال ان هناك من لجأ إلى الأسلوب المعتدل في خطابه عن قناعة تامة، بعد أن تولد لديه أن عمله السابق كان غير صحيح، فيما لا يزال البعض يخوضون في الأمور السياسية، التي يجب أن تكون الدعوة أبعد ما تكون عنها، في حين أن آخرين ما زالوا يمارسون التحريض والأسلوب التكفيري والغلو والتطرف عبر منابر الجمعة، بطرق خفية وملتوية، فضلا عن وجود من يصرح بهذا الشيء علنا. وأبرز المستشار القضائي بوزارة العدل السعودية، صعوبة السيطرة على كل ما يطرح على منابر المساجد. وقال: «يبدو أن الجهات المختصة ربما تعجز عن التعامل مع بعض المحرضين، باعتبارها لا تستطيع تغطية ومراقبة كافة المساجد الموجودة في البلاد».
وعلى الرغم من تأكيدات الشيخ العبيكان أن الدعوة هذه الأيام نشيطة جدا، إلا أنه اعتبر أن مشكلة المشهد الدعوي اليوم، هي في التركيز على الموضوعات السياسية، أكثر من الموضوعات المجتمعية.
وقال: «قوة الدعوة موجودة، ولكنها بحاجة إلى ترشيد، بحيث تكون مرشدة لتتناول الموضوعات المهمة التي يحتاجها الناس، بما يكفل تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة والغلو والتطرف». وشدد العبيكان على ضرورة أن تبتعد الدعوة عن الأمور السياسية، قائلا: «نعم، الدين فيه جزء من السياسة، ولكن ما يطرح على الساحة في السابق وهذه الأيام، بعيد عن السياسة المرتبطة بالدين». وشخَص العبيكان، وهو أحد الذين قوبلوا بموجة انتقادات حادة من قبل متشددين لآرائه التي توصف بالمعتدلة، واقع المشهد الدعوي في بلاده بسيره وفقا لمسارين؛ الأول: الوعظ البحت، فيما الثاني: التحدث في الأمور السياسية البعيدة عن جوهر الدعوة الحقيقية، وهو ما اعتبره مكمن المشكلة، من وجهة نظره. ووجه العبيكان انتقادات للدعاة الذين يعمدون على التركيز في خطابهم على الموضوع السياسي، وجعله همهم الأول، موضحا أنه يجب أن يعلموا أن السياسة للساسة والقادة، وليس لإمام مسجد، أو مدرس، أو محاضر، أو نحوه، مطالبا الجميع بأن يتحدث كل شخص بما يفقهه ويفهمه. وينقسم الدعاة السعوديون التابعون لوزارة الشؤون الإسلامية، إلى قسمين؛ دعاة رسميون، وآخرون متعاونون، تصل أعدادهم إلى المئات، طبقا لما ذكر توفيق السديري. حيث أكد وكيل وزارة الشؤون الإسلامية، أن عملية اختيار الدعاة في وزارته تتم وفقا لآلية معينة، بالنسبة للدعاة الرسميين.
وأكد السديري، على مضي وزارته في تطوير القطاع الدعوي في البلاد، لافتا إلى أن عددا من الدورات التدريبية المخصصة للدعاة سترى النور عما قريب، مشيرا إلى أنه يتم إلحاق الدعاة الرسميين في دورات تدريبية، عن طريق معهد الأئمة والخطباء التابع للوزارة، أو الجامعات السعودية، أو فروع الوزارة المنتشرة في مناطق البلاد، ملمحا إلى إمكانية مشاركة الدعاة المتعاونين في الدورات التدريبية التي تتبناها الوزارة.

