ما كادت تظهر نتائج الجولة الانتخابية الأولى الساعة الثامنة مساء الأحد على شاشات التلفزة الفرنسية حتى بدأت معركة الدورة الثانية المقررة في 6 مايو (ايار) المقبل التي ستقود إما مرشح اليمين نيكولا ساركوزي أو المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال الى قصر الأليزيه. وفورا، انطلقت استطلاعات الرأي لتكشف عن توقعاتها للمعركة الحاسمة بالاستناد الى الاستقصاءات التي قامت بها لدى الناخبين بعد عملية الاقتراع الأولى. وبنتيجة ذلك، أجمعت كلها على أن مرشح اليمين سيكون خليفة الرئيس شيراك في القصر الرئاسي لمدة خمس سنوات. وبحسب استطلاعات الرأي، فإن ساركوزي يمكن أن يحصل على نسبة تتراوح ما بين 54 و52 بالمائة من الأصوات فيما تحصل رويال على نسبة تتأرجح ما بين 48 و46 بالمائة من الأصوات. وتأتي هذه النتائج كتتمة طبيعية لما اسفرت عنه الدورة الأولى التي أعطت ساركوزي نسبة تزيد على 31 بالمائة من الأصوات. وهذه النتيجة توفر لرئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية موقع قوة يستطيع الإنطلاق منه لتطبيق الجزء الثاني من استراتيجيته الانتخابية. ففي القسم الأول منها، نجح ساركوزي في سحب البساط الإنتخابي من تحت رجلي زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبن الذي تراجعت أصواته من حوالي 17 بالمائة عام 2002 الى 11 بالمائة في الانتخابات الحالية. يذكر أن برونو ميغريه، الذي انشق عن لو بن المرة الماضية وخاض الانتخابات الرئاسية باسم اليمين المتطرف امتنع عن الترشح هذه المرة وانضم مجددا الى لوبن الذي مع ذلك انهارت نسبة أصواته الى 11 بالمائة ما يعني أن خسارته كانت أكثر فداحة، بل تراجع الى ما كان عليه قبل العام 1995.
وما كان ساركوزي ليحصل على هذه النتيجة لولا نجاحه في إغراء نسبة مهمة من ناخبي اليمين المتطرف بالانضمام اليه منذ الدورة الأولى. ورغم أن لو بن امتنع عن كشف الموقف الذي سيلتزم به في الدورة الثانية أو عن التوجيه الذي سيعطيه لأنصاره، متحججا بأنه سيتكلم عن هذا الموضوع الرئيسي في خطابه الذي سيلقيه بمناسبة عيد العمال وعيد القديسة جاندارك في الأول من مايو المقبل، فإن ناخبيه يبدون مصممن على الانتخاب لصالح ساركوزي. ووفق استطلاع الرأي، فإن 84 بالمائة منهم يفضلون وزير الداخلية السابق على منافسته الاشتراكية. ومن هذه الزاوية، فإن مرشح اليمين نجح، في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية، عبر التركيز على موضوع الهجرة وربطه بالهوية الوطنية وتمجيده للقيم اليمينية التقليدية والأمن والعمل وتأكيده أنه «يهتم» بناخبي اليمين المتطرف ودعوته الى «الانتخاب المجدي» وعدم تبديد الأصوات بالانتخاب كيفما كان، في تشكيل كتلة عريضة من الأصوات مكنته من احتلال الموقع الأول وهيأت له الظروف لفوزه بالدورة الثانية. ساركوزي اقترب من اليمين المتطرف «ليخنقه» ويسطو على أصواته وهي المهمة التي نجح فيها بشكل مرض. لو بن انهار ونسبة من أصواته (أكثر من 7 بالمائة) استهوتها دعاية ساركوزي والنسبة الأخرى مستعدة للحاق به في الدورة الثانية. ولكن هل يعني ذلك أن المعركة القادمة محسومة النتائج سلفا وأن سيغولين رويال معدومة الحظ في احتلال القصر الرئاسي؟
الواقع أن الأمور ليست بهذه البساطة. رويال نجحت أولا في إثبات نفسها وإعادة تثبيت معادلة ازدواج القطبية السياسية (اليمين واليسار) التي هيمنت على السياسة الفرنسية منذ عقود وأعادت للحزب الاشتراكي ألقه بحصولها على حوالي 26 بالمائة من الأصوات وبتقدمها على مرشح الوسط فرنسوا بيرو الذي وجد من يسوق لطروحاته حتى داخل الحزب الاشتراكي. ولكن المعادلة التي تواجهها رويال الآن هي التالية: الفوز بالرئاسة يفترض الحصول على خمسين بالمائة من الأصوات زائد صوت إضافي. فمن اين ستأتي بهذه النسبة؟
لو احتسبنا ما حصلت عليه رويال وأضفنا اليه 11 بالمائة وهي النسبة التي حصل عليها مرشحو اليسار غير الاشتراكي الأربعة والمرشح المعادي للعولمة (جوزيه بوفيه) ومرشحة الخضر (دومينيك فوانيه) وكلهم دعوا الى الإقتراع لصالح سيغولين رويال أو لقطع الطريق على ساركوزي لوصلنا الى نسبة 37 بالمائة. وهذه النسبة متدنية للغاية ما يعني أن نجاح رويال أو فشلها مرتبطان بقدرتها على اجتذاب أصوات الوسط التي انصبت على المرشح فرنسوا بيرو الذي حصل على 18.5 بالمائة. ويمكن أن تعول رويال على الاشتراكيين واليساريين الذين انتخبوا لصالح بيرو معتبرين أنه «الحصن» الذي يحمي من ساركوزي أو لأن حظوظه بالفوز اكبر من حظوظ المرشحة الاشتراكية. لكن استطلاعا آخر للرأي أفاد أن 54 بالمائة من ناخبي بيرو ينوون التصويت لصالح ساركوزي بينما 46 منهم يفضلون سيغولين رويال. وإذا صحت هذه النسب، فإن حصة رويال ستتراوح ما بين 7 و8 بالمائة من حصة بيرو. وفي المحصلة النهائية، فإن إجمالي ما قد تحصل عليه في الدروة الثانية يدور حول 45 أو 46 بالمائة من الأصوات ما يعني أن حلمها بالوصول الى الرئاسة لن يتحقق. من هذا المنطلق، فإن الأيام الثلاثة عشر الفاصلة عن الدورة الثانية «حاسمة» بكل المعاني بالنسبة لرويال إذ يتعين عليها قلب ميزان القوى والتركيز على ناخبي الوسط. ويبدو فرنسوا بيرو في وضعية «الحكم». فهذا المرشح الذي نجح في فرض الوسط لاعبا أساسيا في الساحة السياسية يتعين عليه الاختيار. ووعد بالكشف عن موقفه في مؤتمر صحافي غدا الأربعاء. لكن بيرو ليس حر اليدين ولا «يملك» الإصوات التي انصبت على اسمه. كما أنه يتعين عليه أن يراعي السيناريوهات الممكنة في الانتخابات التشريعية التي ستحصل في منتصف يونيو (حزيران) علما أن غالبية نوابه انتخبت بفضل أصوات اليمين. ولذا، فإن تحالفه «المفتوح» مع المرشحة الاشتراكية غير مضمون النتائج ويهدد لانفراط عقد مجموعته النيابية وقاعدته التي ترى أن الوسط كان تاريخيا الى جانب اليمين وليس الى جانب اليسار. ولا شك أن «مفاوضات» ستقوم بين بيرو والمتنافسين للدورة الثانية لإبلاغ شروطه ومطالبه والتعرف على استعدادات الجانبين الآخرين للتعاطي معها. ولذا رغم أنه يمكن اعتبار بيرو بمثابة «بيضة القبان» التي تستطيع أن ترجح هذه الكفة أو تلك، فإن مرشح الوسط في وضع دقيق للغاية. ومنذ ليل الأحد/الإثنين عمد ساركوزي الى إنشاء قطبين إضافيين في هيئة قيادة حملته الانتخابية هما قطب اليسار وقطب الوسط في محاولة واضحة لاجتذاب الشخصيات والناخبين الى المعسكر اليميني.

