دول الخليج ترفض التجربة الديمقراطية في
الكويت
السياسة-الكويت - 21 أبريل ,
2007
تتنازع الاوساط النخبوية
والشعبية هنا, وفي سائر دول الخليج الاخرى, فكرتان
متناقضتان جاء التضارب بينهما على مرحلتين, في ضوء
ما اسفرت عنه التجربة الديمقراطية في الكويت
وتطبيقاتها وفق الخصوصية الكويتية.
وفي هذا
الجانب المتصل ابلغت الاوساط ان النخب الخليجية
السياسية والثقافية, ابدت في فترة سابقة اعجابها
بالتجربة الديمقراطية الكويتية, ورأت في هذا الصدد
انها تجربة تصلح للتعميم كونها تقوم على المشاركة في
الحكم, وعلى السلطات المنفصلة.
وقد بدأت هذه
النخب تضغط على حكامها للاخذ بالتجربة واعتماد
الاستفتاءات الشعبية عن طريق صناديق الاختيار مجالا
لتشكيل الطبقات السياسية وتغييرها في كل موسم
انتخابي.
وفي ضوء استمرار التجربة
الديمقراطية الكويتية, وتطورها في اتجاهات متناقضة,
وفي ضوء دعوات بعض نواب الكويت لحكام دول الخليج ان
يروا ديمقراطية الكويت تمهيدا لاعتمادها كنظام حكم
في بلدانهم, كونها تجربة فريدة وتقوم على المشاركة
الشعبية, تعدلت مواقف النخب السياسية والشعبية هنا,
وكذلك تغيرت نظرة الحكام, وبات الامر شديد الوضوح في
نظرهم قياسا على ما هم فيه الآن من مستويات تنموية
عالية, ومن ازدهار اقتصادي غير مسبوق... واذا كانت
التجربة الديمقراطية في السابق تشكل مطمحا لهم, فقد
أصبحت الآن تشكل مأخذا قد يغير من حياتهم بدرجات
سلبية كثيرة, وقد ينال من معدلات التنمية عندها لجهة
تخفيضها, ومن مستويات الازدهار الاقتصادي لجهة
ارجاعها الى الوراء. اي الى الانخفاض.
ويدور
جدل الآن بين الاوساط حول ضرورة الاحتفاظ بالانظمة
السائدة, وما أفرزتها من مؤسسات وطرائق عمل, دون
العودة الى التفكير باستيراد الديمقراطية, كسلعة
سياسية, ونظام حكم, قد لاتوصلنا الى الافضل, بل ربما
اخذتنا الى ما وصلت اليه الكويت الآن, والتي تعاني
من توقف معدلات النمو, وتراجع الازدهار, ومن شلل عمل
المؤسسات, وغرق الجميع في الصراعات السياسية التي
افسدت مسيرة التقدم في البلد, ووضعته في مؤخرة ركب
دول المنطقة التي تشهد نهضة في كل المجالات الآن
تفتقد إليها الكويت على الرغم من ان امكاناتها
متوافرة وتساعدها على دخول السباق والفوز
فيه.
وفي محاور الجدل الصحي القائم هنا,
والذي انحسم لصالح المحافظة على خصوصيات الحكم,
وتحرير يديه من المعوقات المحلية التي يفرزها
التطبيق المحلي للديمقراطية, او تطبيق الديمقراطية
وفق الخصوصية المحلية..., في محاور هذا الجدل
الخليجي ان التجربة الديمقراطية في الكويت اوقفت
عجلة التنمية, واشعلت محاور الجدل باسم حرية الرأي.
واثارت الفتن او كادت فيما يتعلق بعلاقة المكونات
الاجتماعية الكويتية بعضها ببعض, وعلاقتها بالاسرة
الحاكمة, وعلاقة الاسرة الحاكمة بذاتها وبنفسها,
وبهيبة الحكم... ان هذه المنتجات الغريبة والضارة
جعلت النخب الخليجية تحسم امرها تجاه تجربة الكويت,
وتفضل عدم الاقتداء بها, او المطالبة باستيرادها
والعمل بموجب قواعدها وانظمتها, خصوصا فيما يتعلق
بهيكلة الدولة وآليات عمل مؤسساتها. في منظور النخبة
الخليجية الآن انه ليس من مصلحة مجتمعاتها فتح
المجال لانطلاق الغرائز الفردية, واشتعال اساطير
الاولين وحكايا ومزايا قبائلهم, ذلك ان التعبير, كحق
مصان في الديمقراطية, سيأخذ مداه في هذه الاتجاهات
الخطرة.
وسيصبح كل فرد بموجبه وليا للامر,
مهما كان موقعه ومكانته, ويصبح كل نائب في مجلس
الامة, بموجب الحصانة والامتيازات الديمقراطية,
قادرا على فتح خزائن الدولة, عبر المقايضة السياسية,
والانفاق منها على الانصار والمحاسيب والمؤيدين
لضمان تجديد العضوية, بينما المهمة الرئيسية للنائب,
وهي التشريع والمراقبة, تصبح مهمة معطلة, وتفسح في
المجال لظهور قطاع الطرق السياسيين الذين يتمصلحون
من الفوضى, وينتفعون من الهلع العام, ويتاجرون
بأدوات الفتن والنيل من هيبة الحكم, وتضامن ووحدة
الاسرة الحاكمة.
وتضيف الاوساط الخليجية ان
هناك ايضا وجوها اخرى للتجربة الديمقراطية الكويتية,
وهي الوجوه المتصلة بالعراك السياسي اليومي الدائم,
والذي ادت تغذيته الى اختراق اجهزة الامن, واختراق
بيت الحكم, وتعطل المشاريع, وتوقف المشاريع وتحديث
القوانين, وتفشي الوساطات بين المواطن واجهزة
الدولة, وانتشار العزوات, بعد غياب المراجع
القانونية والدستورية, وفقدان الهيبة بحيث أصبح
البلد بلا كبير, او بلا وال, وكل ذلك يحصل باسم
الحرية وباسم الديمقراطية, وعبر الادلاء بتصريحات
اقرب الى الشتائم منها الى التوضيح, وعقد ندوات اقرب
الى اختراق حدود هيبة الحكم والتعدي عليها, والى
الزحف على صلاحيات بعض السلطات منها الى الادلاء
الفكري والتعبير عن مواقف سياسية.
بازاء
الوضع الفوضوي الذي اسفرت عنه الممارسة التطبيقية
للديمقراطية في الكويت, اكدت الاوساط الخليجية, فيما
يشبه الاجماع, ان النخب هناك, السياسية والشعبية, قد
تخلت عن الضغط على حكامها من اجل الاخذ بالتجربة
الكويتية, بل ان الحكام انفسهم بدأوا يسألون هذه
النخب هل تريدون ديمقراطية متوحشة بهذا الشكل توصلكم
الى هذا الحال?
وفي الوقت ذاته, وفي حين
تتلقى النخب الخليجية كلام حكامها, كانت تنظر الى
تجربة دبي وتجربة قطر والسعودية والبحرين وعمان, ففي
هذه البلدان لايوجد من يقطع الطريق على الآخر,
ولايوجد من يوقف عجلة التنمية, ولايوجد من يحاول شل
اعمال الدولة وتعطيلها... وبالتالي لاتوجد ديمقراطية
على الشاكلة الكويتية تجعل من كل واحد حاكما, ومن كل
صاحب غرض سياسي متطاولا على الهيبة, وقاطعا للطريق,
ومعطلا للحكم.
وتضيف الاوساط الخليجية ل¯
»السياسة« ان التجربة الآن الجديرة بالاقتداء هي
تجربة دول الخليج الاخرى التي نجحت في وضع الامور في
نصابها, فأصبح الجميع هناك متوزعين على اختصاصاتهم
الحاكم للحكم والسياسة والشعوب للعمل والانتاج,
والمساهمة في التنمية والازدهار الاقتصادي, على عكس
التجربة الديمقراطية الكويتية التي اختلطت فيها
المعايير, وتداخلت الحدود, واغتصبت الصلاحيات,
وتعطلت عجلات الدولة عن الدوران. |