فيشي غراد (البوسنة): عبد الباقي خليفة
يسابق المئات المتطوعون الزمن لاستخراج ما أمكنهم من رفات ضحايا مقبرة جماعية، عثر عليها أثناء محاولة إقامة سد على بحيرة بيروتشاتش، في فيشي غراد، شرق البوسنة. وقد توقفت العمليات الهندسية لإقامة السد بعد ظهور عظام بشرية في غرافة الحفارة الآلية. ومباشرة بعد ذلك، أمهل أصحاب المشروع أهالي الضحايا واللجنة البوسنية للبحث عن المفقودين، مدة 48 ساعة لإتمام العمل، الأمر الذي دفع إلى توجيه نداء للشعب للمشاركة في عمليات البحث عن المفقودين.
ونقل عن سائق الحفارة الآلية قوله إنه ذهل لرؤية العظام داخل الغرافة، وأدرك للتو أنه يقف على فوهة مقبرة جماعية، فاستدعى المهندسين والعمال الذين هالهم ما رأوا، ووضع الكثير منهم أيديهم على وجوههم من شدة التأثر.
وقد تحولت الأحداث إلى قضية وطنية، حيث لبى مئات الشبان البوسنيين أمس نداء أهالي الضحايا واللجنة البوسنية للبحث عن المفقودين، وعدد من النشطاء، في مقدمتهم الوجه المعروف، نظيم عابد خليلوفيتش، المعروف بـ«المدرس» للمشاركة في عملية البحث عن الرفات.
وقال رئيس اللجنة البوسنية للبحث عن المفقودين، عمر ماشوفيتش لـ«الشرق الأوسط»: «بعثنا بنداء عبر بعض وسائل الإعلام، والمساجد، نناشد المواطنين ومنظمات المجتمع الأهلي، المساعدة في استخراج عظام ورفات الضحايا في مقبرة جماعية، عثر عليها أثناء بناء سد في فيشي غراد على بحيرة بيروتشاتش». وتابع: «الدعوة كانت موجهة للجميع، لإثبات الحقيقة، وإرساء قواعد للتعايش بسلام والتسامح داخل حدود البوسنة وخارجها في المستقبل». وعبر ماشوفيتش عن امتنانه لمشاركة الشباب في «هذا العمل الإنساني النبيل». وأشار ماشوفيتش بيده إلى أعداد كبيرة من المتطوعين قائلا: «انظر.. بين هؤلاء أساتذة جامعيون، وأطباء، ومهندسون، وطلبة، وعمال عاديون وغيرهم، هذا هو التكافل والتضامن الحقيقي النابع من الذات».
وقال رئيس جامعة سراييفو، فاروق تشايلاكوفيتش، في رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بخصوص انطباعاته حول الموقف: «أنا حزين لأنني واقف على أديم مقبرة تضم ضحايا الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد البوشناق في شرق البوسنة، وفي الوقت نفسه أنا فخور بأن لدينا أناسا يبادرون للعمل الإنساني التطوعي، والوقوف على حقيقة ما جرى في شرق البوسنة، وتحديدا في فيشي غراد، من مذابح وجرائم ضد الإنسانية». من جهته، قال رئيس جمعية أهالي ضحايا المفقودين في فيشي غراد، هادي كسابوفيتش: «أشعر بالامتنان لهذا الحضور الأكاديمي والإعلامي والطلابي والشعبي، للمساعدة في العثور على أكبر قدر ممكن من عظام ورفات الضحايا قبل أن تغمر المياه المنطقة». وأضاف: «أنا على يقين من أن مصير الكثير من الضحايا سيذهب هدرا، لأن الوقت غير كاف للعثور على جميع الضحايا».
وأردف: «سيبقى هناك مفقودون للأبد، ولن نلتقي بهم سوى يوم القيامة، وأنتم تعرفون أن نهر درينا هو أكبر نهر في أوروبا، وسيبقى يضم الكثير من أسرار الإبادة، فكم من ضحايا تم رميهم في النهر حتى تغير لونه». وقد عبر طلبة أسهموا في عملية البحث عن الضحايا، عن ارتياحهم للمشاركة، معتبرين ما قاموا به واجبا، قبل أن يكون قيمة إنسانية عالية. وحتى يوم أمس، تم العثور على رفات 373 ضحية على ضفاف بحيرة بيروتشاتس، ولا يزال البحث عن رفات نحو 800 ضحية جاريا. وتنتهي اليوم (الأحد) مهلة البحث عن الرفات.
يشار إلى أن اكتشاف معظم المقابر الجماعية التي دفن فيها ضحايا من حرب البوسنة (1992 - 1995) يتم في الغالب فجأة، أو إثر مباشرة حفريات عادية.